مجمع البحوث الاسلامية
585
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ابن كثير : هذه الآية الكريمة حاكمة على كلّ من ادّعى محبّة اللّه وليس هو على الطّريقة المحمّديّة ، فإنّه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتّى يتّبع الشّرع المحمّديّ ، والدّين النّبويّ في جميع أقواله وأفعاله ، كما ثبت في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ » ولهذا قال : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبّتكم إيّاه وهو محبّته إيّاكم ، وهو أعظم من الأوّل . ( 2 : 29 ) الآلوسيّ : ذهب عامّة المتكلّمين إلى أنّ المحبّة نوع من الإرادة ، وهي لا تتعلّق حقيقة إلّا بالمعاني والمنافع ، فيستحيل تعلّقها بذاته تعالى وصفاته ، فهي هنا بمعنى إرادة العبد اختصاصه تعالى بالعبادة ؛ وذلك إمّا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللّازم ، أو من باب الاستعارة التّبعيّة بأن شبّه إرادة العبد ذلك ورغبته فيه بميل قلب المحبّ إلى المحبوب ، ميلا لا يلتفت معه إلّا إليه ، أو من باب مجاز النّقص ، أي إن كنتم تحبّون طاعة اللّه تعالى أو ثوابه فاتّبعوني فيما أمركم به وأنهاكم عنه ، كذا قيل . وهو خلاف مذهب العارفين من أهل السّنّة والجماعة ، فإنّهم قالوا : المحبّة تتعلّق حقيقة بذات اللّه تعالى ، وينبغي للكامل أن يحبّ اللّه سبحانه لذاته ، وأمّا محبّة ثوابه فدرجة نازلة . قال الغزاليّ عليه الرّحمة في « الإحياء » : الحبّ عبارة عن ميل الطّبع إلى الشّيء الملذّ ، فإن تأكّد ذلك الميل وقوي يسمّى عشقا ، والبغض عبارة عن نفرة الطّبع عن المؤلم المتعب ، فإذا قوي سمّي مقتا . ولا يظنّ أنّ « الحبّ » مقصور على مدركات الحواسّ الخمس حتّى يقال : إنّه سبحانه لا يدرك بالحواسّ ولا يتمثّل بالخيال فلا يحبّ ، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمّى الصّلاة : قرّة عين ، وجعلها أبلغ المحبوبات ، ومعلوم أنّه ليس للحواسّ الخمس فيها حظّ بل حسّ سادس مظنّته القلب ، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظّاهر . والقلب أشدّ إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصّور الظّاهرة للأبصار ، فتكون لا محالة لذّة القلوب بما تدركه من الأمور الشّريفة الإلهيّة الّتي تجلّ أن تدركها الحواسّ أتمّ وأبلغ ، فيكون ميل الطّبع السّليم والعقل الصّحيح إليه أقوى ، ولا معنى للحبّ إلّا الميل إلى ما في إدراكه لذّة ، فلا ينكر إذا حبّ اللّه تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجز إدراكه الحواسّ أصلا ، نعم هذا الحبّ يستلزم الطّاعة . والقول : بأنّ المحبّة تقتضي الجنسيّة بين المحبّ والمحبوب ، فلا يمكن أن تتعلّق باللّه تعالى ، ساقط من القول لأنّها قد تتعلّق بالأعراض بلا شبهة ولا جنسيّة بين العرض والجوهر . يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ جواب الأمر ، وهو رأي الخليل . وأكثر المتأخّرين على أنّ مثل ذلك جواب شرط مقدّر ، أي إن تتّبعوني يحببكم ، أي يقرّبكم ، رواه ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة . وقيل : يرض عنكم ، وعبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق المجاز المرسل أو الاستعارة أو المشاكلة . وجعل بعضهم نسبة المحبّة للّه تعالى من المتشابه الّذي لا يعلم تأويله إلّا اللّه تعالى . ( 3 : 129 ) رشيد رضا : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي